مدخل معنى العروبة هو إدراك ماهية الإنسان العربي. وقد وضعت كلمة الإنسان قبل كلمة العربي – ومعها - لأن ذلك أساس لتأكيد وحدة الأصل الإنساني ولإسقاط كل تعريف على أساس عنصر الدم أو الجنس أو الأصل العائلي أو حتى مكان الولادة. فكثيرون يولدون خارج المنطقة العربية، ويعتبرون أنفسهم عرباَ.. وكثيرون يولدون داخل المنطقة العربية، ويرفضون الانتماء العربي ويعتزون بأصول قومية أخرى غير عربية. فالإنسان العربي لا يتحدد فقط من خلال كونه يتحدث بالعربية، لأن الحديث بأي لغة لا يعني بالضرورة حالة انتماء لأمَّة اللغة نفسها.. الإنسان العربي، هو إنسان الثقافة العربية (لغة وتفكيراً).. هو الإنسان الذي يعيش الثقافة العربية بما فيها من لغة وعناصر تاريخية مشتركة حصلت وتحصل على أرض عربية مشتركة، أي جمع اللغة مع التاريخ المشترك على أرض مشتركة. فهكذا مثلاً تكونت الأمَّة الأميركية في القرون الخمسة الماضية. الإنسان العربي هو الإنسان المنتمي للأمَّة العربية من حيث عناصر تكوينها: لغة/ثقافة مع تاريخ مشترك على أرض مشتركة، حتى لو لم يدرك هذا الإنسان العربي عناصر تكوين أمَّته. لكن هناك فوارق بين: (1) العروبة واللغة العربية (2) وبين العروبة والقومية (3) وبين العروبة والوحدة العربية. - الفرق بين العروبة واللغة العربية: اللغة العربية: هي لغة الثقافة العربية. فكل إنسان عربي، هو عربي اللسان.. لكن ليس كل إنسان عربي هو عروبي. فالعروبي هو من يجمع بين لغة الثقافة العربية وبين المضمون الحضاري لها وبين التسليم بالانتماء لأمَّة واحدة قائمة الآن على أوطان متعددة. إن "الكل العربي" هو مكون أصلاً من "أجزاء" مترابطة ومتكاملة. فالعروبة لا تلغي - ولا تتناقض مع - الروابط العائلية أو القبلية أو الوطنية، بل هي تحددها في إطار علاقة الجزء مع الكل. - حول العروبة والقومية: القومية تعبير يسمح بالتقلص بما هو أقل من معنى العروبة. كمثال "القومية السورية" في المجال العقائدي والسياسي، و"القومية الكردية" أو "البربرية" في المجال العرقي... القومية تعبير اختلطت فيه مضامين أخرى في التاريخ الحديث والمعاصر، مضامين عنصرية أو مضامين معادية للدين أحياناً... تعبير القومية تَشَوّه استعماله من قبل الكثير من الحركات السياسية المعاصرة... بينما العروبة تحدد نفسها بنفسها، فالعروبة تشمل خصوصيتها وعمومية تعريف القومية، في حين أن استخدام تعبير القومية الآن لا يؤدي غرض معنى العروبة نفسها. فالقول: أنا "عروبي" يعني أموراً فكرية وثقافية محددة، بينما القول أنا "قومي عربي" يحتاج الآن إلى الكثير من التوضيح والتفسير. فالعروبة هي تعبير عن الانتماء إلى قومية محددة، لها خصائص وخصوصيات تختلف حتى عن القوميات الأخرى في دائرة العالم الإسلامي. - حول العروبة والوحدة العربية: الدعوة إلى العروبة هي دعوة فكرية وثقافية، بينما الدعوة إلى الوحدة العربية هي دعوة حركية وسياسية. الانتماء إلى العروبة يعني التسليم بالانتماء إلى أمَّة واحدة يجب أن تُعبّر عن نفسها بشكل من أشكال التكامل والاتحاد بين أبنائها.. لكن "الوحدة" قد تتحقق بحكم الفرض والقوة أو بحكم المصالح المشتركة (كالنموذج الأوروبي) دون أن تكون الشعوب منتمية بالضرورة إلى أمَّة واحدة. ف"الوحدة" ليست معياراً لوجود العروبة بينما العروبة تقتضي حتماً التعبير السياسي عن وجودها بشكل وحدوي أو إتحادي تكاملي. الملفت للانتباه على الصعيد العربي (منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى نهاية العهد العثماني) هو توالي أشكال من الحكم العربي وغير العربي على أساس غير قومي أصلا وغير محدد بشعب معين أو أرض معينة (وهذا شكل من أشكال الإمبراطورية التي تضم أكثر من شعب وقومية). وفي مرحلة القرن العشرين -التي ورثت فيها الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية، الإمبراطورية العثمانية- انتقل العرب من حال حرية الحركة على أرض واحدة (بدون كيان سياسي عربي واحد طبعاَ) إلى حال من القيود والحواجز على أرض العرب المشتركة، في ظل محاولات لصنع ثقافات خاصة مجتزأة شجعت عليها بقوة السلطات البريطانية والفرنسية التي كانت تهيمن على معظم البلاد العربية. ثم ورثت الولايات المتحدة الأميركية دور بريطانيا وفرنسا في المحافظة على الواقع العربي المجزأ، مع دعم كبير ومفتوح لوجود إسرائيل كقومية جديدة غير عربية على الأرض العربية، وبطابع عنصري يهودي!. إن السمة "العربية" موجودة كلغة وثقافة قبل وجود الإسلام، لكنها كانت محصورة بالقبائل العربية وبمواقع جغرافية محددة، بينما العروبة –كهوية انتماء ثقافي حضاري- بدأت مع ظهور الإسلام ومع ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم وبنشر الدعوة بواسطة رواد عرب. فالعروبة هي إضافة حضارية مميزة أوجدها الإسلام على السمة العربية كلغة نتيجة ارتباط الإسلام بالوعاء الثقافي العربي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وهكذا أصبحت العروبة الحضارية هي الثقافة العربية ذات المضمون الحضاري، وبالتالي خرجت الثقافة العربية من دائرة العنصر القبلي أو العرقي ومن حدود الجغرافية الصغيرة إلى دائرة تتسع في تعريفها ل"العربي"، كل من يندمج في الثقافة العربية بغض النظر عن أصوله العرقية أو عن طائفته أو مذهبه. إن العرب هم أمَّة واحدة في الإطار الثقافي وفي المضمون الحضاري وفي المقاييس التاريخية والجغرافية (اشتراك في عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والأرض) لكنهم لم يجتمعوا تاريخياً في إطار سياسي واحد على أساس العروبة فقط. فالعروبة قائمة وجوداً كثقافة خاصة قبل الإسلام ثم كحضارة من خلاله وبعده لكنها لم تتجسد سياسياً بعد كأمَّة واحدة، في إطار كيان سياسي واحد، وعلى أساس مرجعية العروبة فقط. فالأرض العربية كانت تحت سلطة واحدة في مراحل من التاريخ، لكن على أساس مرجعية دينية إسلامية (الخلافة) وليس على أساس قومي عربي. إن العروبة هي حالة انتماء إلى مضمون حضاري مميز بعلاقته مع اللغة العربية، وتقوم على قاعدة الثقافة العربية، وهي رغم توفر عناصر تكوين الأمَّة فيها، فإنها لم تصل بعد إلى حالة الانتماء إلى كيان سياسي موحَّد، ولم يحصل ذلك تاريخياً من قبل على أساس مرجعية العروبة فقط. وللوصول إلى مشروع الكيان العربي الواحد أو الاتحادي، تتوجب الأساليب المرحلية شرط قيامها جميعاً على أساس ديمقراطي في الداخل وسلمي حواري في العلاقة مع الطرف العربي الآخر. من هنا أهمية التوافق العربي على ضرورة المرونة في كيفية الوصول إلى كيان دستوري سياسي يعبّر عن وحدة الأمَّة. ويبقى الأساس في أي وسيلة تستهدف الوصول إلى الوحدة هو: - الدعوة السلمية ورفض الابتلاع أو السيطرة أو الهيمنة من وطن عربي على آخر.. - نظام الحكم الديمقراطي قبل المباشرة بعملية الوحدة. فالتحرر والديمقراطية معاَ هما المدخل السليم لوسائل تحقيق الوحدة أو أي شكل اتحادي عربي.